ابو القاسم عبد الكريم القشيري
88
شرح الأسماء الحسنى
كيف لا وقد قال صلى اللّه عليه وسلم : « الدنيا سجن المؤمن » وقد قيل في بعض الحكايات : عن جعفر الصادق أنه قال : من طلب ما لم يخلق أتعب نفسه ولم يرزق ، فقيل له : وما ذاك فقال : الراحة في الدنيا ، وأنشدوا : تطلب الراحة في دار العنا * خاب من يطلب شيئا لا يكون وقال غيره : أنت نعم المتاع لو كنت تبقى * غير أن لا بقاء للإنسان فإذا كان بهذا الوصف دخل عليه الزهد ، فإن من لم تتساو عنده الأخطار ولم يسقط عن قلبه للدنيا الوزن والمقدار ، لم يزل في سجن حرصه وفي أسر نفسه ، وفي رق شهوته ، وفي ذل طمعه ، ومن استوت عنده الأخطار ، وصل إلى روح الحرية . ولهذا قال مشايخ هذه الطريقة : من دخل الدنيا وهو عنها حر ، ارتحل إلى الآخرة وهو عنها حر ، ومن كانت بغيته من المطالبات ، فوق ما لا بد له من الضرورات فهو عن ربه محجوب . وقد سئل الجنيد ، رحمه اللّه تعالى ، عمن خرج من الدنيا ولم يبق عليه إلا مص نواة فقال مستشهدا : « المكاتب « 1 » عبد ما بقي عليه درهم » . وحكى عن بنان الجمال أنه قال : كنت مطروحا على باب بنى شيبة سبعة أيام لم أذق شيئا فنوديت في سرى أن من أخذ من الدنيا فوق ما يكفيه أعمى اللّه عين قلبه .
--> ( 1 ) وهو الّذي كاتبه سيده على مبلغ معين يدفعه على أقساط يشترى بها حريته .